صديق الحسيني القنوجي البخاري
76
فتح البيان في مقاصد القرآن
الأولى ، واللام متعلقة بيشاؤون أو بالمحسنين أو بمحذوف قرأ الجمهور أَسْوَأَ على أنه أفعل تفضيل وقيل : ليست للتفضيل بل بمعنى سيىء الذي عملوا أو بهذا الاعتبار عم الأسوأ جميع معاصيهم وقرىء أسواء بألف بين الهمزة والواو بزنة أحمال جمع سوء . ولما ذكر اللّه سبحانه ما يدل على دفع المضار عنهم ، ذكر ما يدل على جلب أعظم المنافع إليهم فقال : وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ إضافة الأحسن إلى ما بعده ليست من إضافة المفضل إلى المفضل عليه بل من إضافة الشيء إلى بعضه قصدا إلى التوضيح من غير اعتبار تفضيل ، قال مقاتل : يجزيهم بالمحاسن من أعمالهم ولا يجزيهم بالمساوىء ، وعم الأحسن جميع حسناتهم ، ولولا هذا التأويل لاقتضى النظم أنه يكفر عنهم أقبح السيئات فقط ويجزيهم على أفضل الحسنات فقط . [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 36 إلى 37 ] أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ ( 36 ) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَ لَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ ( 37 ) أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ قرأ الجمهور بالإفراد ، وقرىء بالجمع فعلى الأولى المراد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو الجنس ويدخل فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، دخولا أوليا وعلى الثانية المراد الأنبياء ، أو المؤمنون أو الجميع ، واختار أبو عبيدة الأولى لقوله عقبه : وَيُخَوِّفُونَكَ والاستفهام للإنكار لعدم كفايته سبحانه على أبلغ وجه ، كأنها بمكان من الظهور لا يتيسر لأحد أن ينكره ، وقيل المراد بالعبد والعباد ما يعم المسلم والكافر قال الجرجاني : إن اللّه كاف عبده المؤمن وعبده الكافر ، هذا بالثواب وهذا بالعقاب . وقرىء بكافي عباده بالإضافة ويكافي بصيغة المضارع . وقوله وَيُخَوِّفُونَكَ يجوز أن يكون في محل نصب على الحال إذ المعنى أليس كافيك حال تخويفهم إياك بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ هي المعبودات التي يعبدونها ، قالوا : لتكفن عن شتم آلهتنا أو ليصيبنك منهم خبل أو جنون كأن المعنى أنه كافيك في كل حال حتى في هذه الحال ، ويجوز أن تكون مستأنفة وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ أي من حق عليه القضاء بضلاله حتى غفل عن كفاية اللّه لعبده محمد ، وخوفه بما لا ينفع ولا يضر فَما لَهُ مِنْ هادٍ يهديه إلى الرشد ويخلصه من الضلالة . وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ يخرجه من الهداية ويوقعه في الضلالة أَ لَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ أي غالب لكل شيء قاهر له ذِي انْتِقامٍ ينتقم من عصاته بما يصبه عليهم من عذابه ، وما ينزله بهم من سوط عقابه ، وإظهار الاسم الجليل في موضع الاضمار لتحقيق مضمون الكلام وتربية المهابة .